نذير حمدان
148
حكمة القرآن والحضارة
قال أبو سعيد الخدري : جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين ، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري ، وقارئ يقرأ علينا ، إذ جاء رسول اللّه فقام علينا ، فلما قام رسول اللّه سكت القارئ فسلّم ، ثم قال : ما كنتم تصنعون ؟ قلنا : يا رسول اللّه ، إنه كان قارئ لنا يقرأ علينا ، فكنا نستمع إلى كتاب اللّه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الحمد للّه الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ، مشيرا إلى قوله وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ( الكهف 28 ) ، فجلس رسول اللّه وسطنا ليعدل بنفسه فينا ، ثم قال بيده هكذا ، فتحلّقوا ، وبرزت وجوههم له فقال : أبشروا يا معشر الصّعاليك المهاجرين بالنّور التّام يوم القيامة ، تدخلون الجنّة قبل أغنياء النّاس بنصف يوم وذاك خمسمائة سنة « 1 » . والحديث موقف هام في المشاركة الوجدانية والتعليمية العملية بين الراعي والرعية ، وسلوان لطلاب العلم الفقراء العراة لمتابعة طلبهم ، ومنزلة سامية عند اللّه يوم القيامة لا ينالها الأغنياء لغناهم ، فسبقهم الفقراء العلماء بسبب تخصصهم بمدارسة العلم وصبرهم على البلوى . وواضح أن العملية التعليمية الغنية شملت : تعليم الكبار وتعليم الصغار معا ، فقد تعلم الصحابة من الرسول وكانوا شبابا وشيوخا أميين كثيرين لا ينفع معهم أن يتعلموا الهجائية ومبادئ الكتابة والقراءة لمحو أميتهم مثل ما ينفعهم الاستفادة من ( حافظاتهم ) في تعلم القرآن ودراسته في مجالسه ، ومثل ما كانوا يعاينونه من تعلم الحلال والحرام وأنواع العبادات البدنية واللسانية والمالية ، إلى جانب ما كان يقوم به الكثيرون من تعلم الكتابة حتى تستكمل أدوات العلم ووسائله ، ومن ثم يقوم هؤلاء بمسئولية التعليم لغيرهم . وكان للبعثة النبوية التعليمية فضل السبق في نشر العلم لجمهرة عريضة من الصحابة بأخذ الجانب العملي التطبيقي السلوكي أكثر من جانبه النظري المجرد مما جعلهم شيوخ العلم الإسلامي الأول سواء كانوا من قبل أميين أو عاميين أو متعلمين ، وإن تعليم الكبار يحتاج أول ما يحتاج إليه إثارة البواعث النفسية للإقبال على محو الأمية الثقافية ، وتحمل العنت والجهد في أخذ العلم ، والاهتمام بنوعية خاصة من العلم الذي ينفعهم في حياتهم ، ويحسّن أحوالهم المعاشية ويرفع
--> ( 1 ) حديث أبي داود السابق ( 3666 ) .